السيد عبد الأعلى السبزواري
24
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
الصلاة وقد جاء أحد منكم من الغائط فلم يجد ماء ، فيتيمم . وقد ذكرنا أنّ هذا الفرد بنفسه موجب للطهارة . والآية الشريفة في غاية الأدب ومنتهى الفصاحة ، حيث كنّي فيها عمّا يستقبح ذكره بأسلوب أدبي رفيع ، وبولغ في الإبهام من دون الإضافة التي شوب التعيين رعاية لجانب الأدب . والغائط : المكان المنخفض من الأرض ، وقد كانوا يقصدونه لقضاء الحاجة تسترا عن أعين الناس وتأدّبا . وقيل : إنّه المطمئن من الأرض . وقيل : عمق الأرض الأبعد . وكيف ما كان ، فسمّي الحال باسم المحلّ حتّى غلب استعماله في معناه المعروف ، وهو النجوّ نفسه ، كالعذرة التي هي بمعنى عتبة الدار وفنائها ، فغلب استعمالها في معناها المعروف ، وهو ما يخرج من الأسفل من بقايا الطعام ، والمراد به في المقام مطلق الحدث الأصغر الموجب للطهارة الخارج عن أحد السبيلين ، كما بيّنته السنّة الشريفة . قوله تعالى : أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ . كناية عن الجماع ، وهو أيضا أدب قرآني ، صونا للسان عمّا يستقبح ذكره ، وقد ذكرنا في سورة البقرة أنّ المسّ واللمس بمعنى واحد . ولعلّ التصريح به في المقام مع أنّه داخل في قوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً ، لبيان أحد موجبات الجنابة ، فيكون تفسيرا لها ، أو للإشعار بأنّ الأمر ممّا تقتضيه الطبيعة كسابقه ، ولكثرة وقوعها . ولكنّهما يفترقان في أنّ الأوّل حدث أصغر يوجب الوضوء ، والثاني حدث أكبر يوجب الغسل ، بخلاف المرض والسفر اللذين هما أمران اتفاقيان . وقد استجمعت الآية الشريفة جميع الحالات الطارئة للإنسان ، الطبيعيّة منها والاتفاقيّة ، وعالجتها بأسلوب أدبي رفيع يفهمه كلّ مكلّف ، وهو من إعجاز هذا الكتاب الكريم الذي تحدّى جميع الكتب السماويّة وخضعت له الفصاحة والبلاغة .